فصل: تفسير الآيات (66- 70):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنتخب في تفسير القرآن



.تفسير الآيات (66- 70):

{أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (66) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67) قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (69) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)}
66- لتعلموا- أيها الناس- أن لله- وحده- كل مَن في السموات والأرض خلقاً وملكاً وتدبيراً، وإن الذين أشركوا بالله لا يتبعون إلا أوهاماً باطلة لا حقيقة لها، وليسوا إلا واهمين يظنون القوة فيما لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً.
67- إن الذي يملك مَن في السموات والأرض، هو الذي خلق لكم الليل لتستريحوا فيه من عناء السعى في النهار، وخلق لكم النهار مضيئاً لتسعوا فيه وتجلبوا مصالحكم. إن في خلق الليل والنهار لدلائل بينة لمن يسمعون ويتدبرون.
68- وإذا كان عبدة الأوثان قد أشركوا في العبادة حجارة، ولم ينزهوا الله حق التنزيه، وقالوا: إن لله ولداً. فالله منزه عن ذلك. إنه غنى عن أن يتخذ ولداً، لأن الولد مظهر الحاجة إلى البقاء، والله باق خالد، وكل ما في السموات وما في الأرض مخلوق ومملوك له، وليس عندكم- أيها المفترون- حُجة ولا دليل على ما زعمتم، فلا تختلقوا على الله أمراً لا أساس له من الحقيقة.
69- قل لهم- أيها الرسول-: إن الذين يختلقون على الله الكذب ويزعمون أن له ولداً، لن يفلحوا أبداً.
70- لهم متاع في الدنيا يغترون به، وهو قليل، طال أو قصر، بجوار ما يستقبلهم. ثم إلينا مرجعهم، فنحاسبهم ونذيقهم العذاب المؤلم بسبب كفرهم.

.تفسير الآيات (71- 74):

{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (71) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (74)}
71- وإن ما ينزل بك من قومك قد نزل بمن سبقك من الأنبياء، واقرأ- أيها الرسول- على الناس، فيما ينزله عليك ربك من القرآن قصة نوح رسول الله لمَّا أحس كراهية قومه وعداءهم لرسالته، فقال لهم: يا قوم إن كان وجودى فيكم لتبليغ الرسالة قد أصبح شديداً عليكم، فإنى مستمر مثابر على دعوتى متوكل على الله في أمرى، فاحزموا أمركم ومعكم شركاؤكم في التدبير، ولا يكن في عدائكم لى أي خفاء، ولا تمهلونى بما تريدون لى من سوء، إن كنتم تقدرون على إيذائى، فإن ربى يرعانى.
72- وإن بقيتم على الإعراض عن دعوتى، فإن ذلك لن يضيرنى، لأنى لم أقم بها لأتقاضاكم عليها أجراً أخشى عليه الضياع بسبب إعراضكم، إنما أطلب أجرى عليها من الله- وحده- وقد أمرنى أن أكون مُسَلِّماً إليه جميع أمرى.
73- ومع هذا المجهود وتلك المثابرة التي بذلها من أجل هدايتهم، أصروا على أن يستمروا في تكذيبه وعدائه، فنجَّاه الله ومَن معه من المؤمنين به، الراكبين معه في الفلك، وجعلهم عُمَّاراً للأرض بعد هلاك الكافرين الذين أغرقهم الطوفان، فانظر- يا محمد- كيف لقى المستخفون بالنذر مصيرهم السيئ.
74- ثم أرسلنا من بعد نوح رُسُلاً آخرين، داعين إلى التوحيد، ومبشرين ومنذرين، ومؤيدين بالمعجزات الدالة على صدقهم، فكذبت أقوامهم كما كذب قوم نوح، فما كان من شأن الجاحدين منهم أن يذعنوا، لأن التكذيب سبق التبصر والاعتبار، وبذلك طبع الله الباطل على قلوب الذين من شأنهم الاعتداء على الحقائق وعلى البينات.

.تفسير الآيات (75- 80):

{ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (75) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (78) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (79) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (80)}
75- ثم أرسلنا من بعدهم موسى وأخاه هارون إلى فرعون ملك مصر وإلى خاصته، داعين إلى عبادة الله- وحده- ومؤيدين بالحُجج الباهرة، فاستكبر فرعون وقومه عن متابعة موسى وهارون في دعوتهما، وكانوا بهذا الرفض مرتكبين جرماً عظيماً، آثمين به.
76- فلما ظهر لهم الحق من عندنا على يد موسى، قالوا في معجزة موسى وهى العصا التي انقلبت حية أمام أعينهم: إن هذا سحر مؤكد واضح.
77- قال لهم موسى مستنكراً: أتصفون الحق الذي جئتكم به من عند الله بأنه سحر؟ أتكون هذه الحقيقة التي عاينتموها سحراً؟! وهأنذا أتحداكم أن تثبتوا أنها سحر، فأتوا بالساحرين ليثبتوا ما تدعون، ولن يفوز الساحرون في هذا أبداً.
78- قال فرعون وقومه لموسى: إنما جئت إلينا قاصداً أن تصْرِفَنا عن دين آبائنا، وتقاليد قومنا؛ لكى نصير لكما أتباعاً، ويكون لك ولأخيك الملك والعظمة والرياسة المسيطرة المتحكمة؟ وإذن فلن نؤمن بكما ولا برسالتكما.
79- وزعم فرعون وقومه أن موسى وأخاه ساحران لا رسولان، فأمر رجاله بأن يحضروا له من مملكته كل من له مهارة في فنون السحر.
80- ولما حضر السحرة ووقفوا أمام موسى، لمنازلته بسحرهم على رؤوس الأشهاد، قال لهم موسى: هاتوا ما عندكم من فنون السحر.

.تفسير الآيات (81- 87):

{فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82) فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83) وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87)}
81- فلما ألقوا حبالهم وَعصِيَّهم، قال لهم موسى: إن الذي فعلتموه هو السحر حقاً، والله سبحانه سيبطله على يدى، إن الله لا يهيئ أعمال المفسدين لأن تكون صالحة ونافعة.
82- أما الحق فإن الله ناصره ومؤيده بقدرته وحكمته، مهما أظهر الكافرون من بغضهم له ومحاربتهم إياه.
83- ومع ظهور الآيات الدالة على صدق الرسالة، فإن الذين آمنوا بموسى لم يكونوا إلا فئة قليلة من قوم فرعون، آمنوا على خوفٍ من فرعون ومن معه أن يردوهم عما آمنوا به، وما أعظم طغيان فرعون في أرض مصر، وإنه لمن المغالين الذين أسرفوا في استكبارهم واستعلائهم.
84- أما موسى فقد قال للمؤمنين مواسياً لهم ومشجعاً: يا قوم، إن كان الإيمان قد دخل قلوبكم في إخلاص لله فلا تخشوا سواه، وأسلموا أموركم إليه. وتوكلوا عليه، وثقوا في النهاية إن كنتم ثابتين على الإسلام.
85- فقال المؤمنون: على الله- وحده- توكلنا، ثم دعوا ربهم ألا يجعلهم أداة فتنة وتعذيب في يد الكافرين.
86- ودعوا ربهم قائلين: نجنا بما أسبغت علينا من نعمة ورحمة، وبفيض رحمتك التي اتصفت بها، من القوم الجاحدين الظالمين.
87- وأوحينا إلى موسى وأخيه هارون أن يتخذا لقومهما بيوتاً يسكنونها بأرض مصر، وأن يجعلا هذه البيوت قبلة يتجه إليها أهل الإيمان الذين يتبعون دعوة الله، وأن يؤدوا الصلاة على وجهها الكامل. والبشرى بالخير للمؤمنين.

.تفسير الآيات (88- 92):

{وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (89) وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)}
88- ولما تمادى الكفار في تعنتهم مع موسى، دعا الله عليهم، فقال: يا رب إنك أعطيت فرعون وخاصته بهجة الدنيا وزينتها من الأموال والبنين والسلطان، فكانت عاقبة هذه النعم إسرافهم في الضلال والإضلال عن سبيل الحق، اللهم اسحق أموالهم. واتركهم في ظلمة قلوبهم، فلا يوفقوا للإيمان حتى يروا رأى العين العذاب الأليم، الذي هو العاقبة التي تنتظرهم ليكونوا عبرة لغيرهم.
89- قال الله تعالى: قد أجيب دعاؤكما، فاستمرا على السير في الطريق المستقيم، واتركا سبيل أولئك الذين لا يعلمون الأمور على وجهها ولا يذعنون للحق الذي وضح.
90- ولما جاوزنا ببني إسرائيل البحر، تعقبهم فرعون وجنوده للاعتداء عليهم فأطبقنا عليهم البحر، فلما أدرك الغرق فرعون، قال: صدقت بالله الذي صدقت به بنو إسرائيل، وأذعنت له، وأنا من الطائعين الخاضعين.
91- لم يقبل الله من فرعون هذا الإيمان الذي اضطر إليه، وتلك التوبة التي كانت وقد حضره الموت، بعد أن عاش عاصياً لله مفسداً في الأرض فمات كافراً مُهاناً.
92- واليوم الذي هلكت فيه نُخرج جثتك من البحر، ونبعثها لتكون عظة وعبرة لمن كانوا يعبدونك، ولا ينتظرون لك مثل هذه النهاية المؤلمة المخزية، ولكن كثيراً من الناس يغفلون عن البينات الباهرة في الكون التي تثبت قدرتنا.

.تفسير الآيات (93- 97):

{وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93) فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (95) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (97)}
93- ولقد مكنا لبني إسرائيل بعد ذلك فعاشوا في أرض طيبة، محافظين على دينهم، بعيدين عن الظلم الذي كانوا فيه، موفورة لهم الأرزاق والنعم، ولكنهم ما إن ذاقوا نعمة العزة بعد الهوان، حتى أصابهم داء الفرقة، فاختلفوا، مع أنه قد تبيَّن لهم الحق والباطل، وسيقضى الله بينهم يوم القيامة، ويجزى كلا منهم بما عمل.
94- فإن ساورك أو ساور أحداً غيرك شك فيما أنزلنا إليك من وحى، فاسأل أهل الكتب السابقة المنزلة على أنبيائهم، تجد عندهم الجواب القاطع الموافق لما أنزلنا عليك، وذلك تأكيد للصدق ببيان الدليل عند احتمال أي شك، فليس هناك مجال للشك، فقد أنزلنا عليك الحق الذي لا ريب فيه، فلا تجار غيرك في الشك والتردد.
95- ولا تكن- أنت ولا أحد من الذين اتبعوك- من الذين يكذِّبون بالحُجج والبينات، لئلا يحل عليك الخسران والغضب، كما هو شأن الكفار الذين لا يؤمنون، والخطاب للنبي خطاب لكل من اتبعه.
96- إن الذين سبق عليهم قضاء الله بالكفر، لما عَلِمَ من عنادهم وتعصبهم، لن يؤمنوا مهما أجهدت نفسك في إقناعهم.
97- ولو جئتهم بكل حُجة- مهما يكن وضوحها- فلن يقتنعوا وسيستمرون على ضلالهم إلى أن ينتهى بهم الأمر إلى العذاب الأليم.

.تفسير الآيات (98- 101):

{فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (98) وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (100) قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (101)}
98- لو أن كل قرية من القرى تؤمن؛ لنفعها إيمانها، لكنها لم تؤمن، فلم يكن النفع إلا لقوم يونس، فإنهم لما آمنوا وجدوا النفع لهم، فكشفنا عنهم الخزى وما يترتب عليه من آلام، وجعلناهم في متعة الدنيا الفانية حتى كان يوم القيامة.
99- ولو أراد الله إيمان من في الأرض جميعاً لآمنوا، فلا تحزن على كفر المشركين، ولا إيمان مع الرغبة؛ فلا تستطيع أن تكره الناس حتى يذعنوا للحق ويستجيبوا له، فليس لك أن تحاول إكراههم على الإيمان، ولن تستطيع ذلك مهما حاولت.
100- لا يمكن لإنسان أن يؤمن إلا إذا اتجهت نفسه إلى ذلك، وهيَّأ الله لها الأسباب والوسائل، أما من لم يتجه إلى الإيمان فهو مستحق لسخط الله وعذابه، وسنة الله أن يجعل العذاب والغضب على الذين ينصرفون عن الحُجج الواضحة ولا يتدبرونها.
101- قل- يا أيها النبى- لهؤلاء المعاندين: انظروا إلى ما في السموات والأرض من بينات ترشد إلى ألوهيته ووحدانيته، ففيها ما يقنعكم بالإيمان. ولكن الآيات على كثرتها، والنذر على قوتها، لا تغنى عن قوم جاحدين لا يتعقلون، إذا لم يؤمن هؤلاء الجاحدون فلن ينظروا.